وايزر لوك
“علينا أن نختار ما بين الأمان والمراقبة، إما أن يتجسس الكل على الآخر، أو لا يتجسس أحد على أحد” …بروس شناير

شريحة إلكترونية في الدماغ.. ما لم يقله إيلون ماسك!

قبل بضع سنوات فقط، كانت أفلام الخيال العلمي تعكس اعتماد البشر على التكنولوجيا بشكل كبير في المستقبل، وتكررت فكرة الشريحة الدماغية في عدة أعمال، لكنها على ما يبدو لم تعد خيالًا بعد إعلان الملياردير التكنولوجي الشهير إيلون ماسك أن شركته “نيورالينك (Neuralink)” لصناعة الشرائح الإلكترونية، نجحت في زرع إحدى شرائحها اللاسلكية في دماغ إنسان لأول مرة، مبشّرًا بنتائج واعدة.

بالنسبة إلى الكثيرين، هذه الشريحة التي يعادل حجمها قطعة نقدية معدنية هي مفتاح الأمل لعلاج المصابين بالشلل والإعاقات البصرية والسمعية، لكن العملية أثارت تساؤلات عن التجربة ودوافعها ونتائجها، وثمة فريق آخر يبدو متخوفًا، ويرى أن هناك مخاطر أخرى قد تنجم عن هذه التجربة.

ماذا يعني زرع شريحة في دماغ الإنسان؟

لم تكن فكرة إيلون ماسك جديدة، لكنها كانت خطوة تطبيقية متقدمة، ففي عام 2016 أسّس مع مستثمرين آخرين شركة “نيورالينك”، وقال إن الهدف منها تطوير واجهات الدماغ والحاسوب القابلة للزرع، أو ما يعرَف بالإنجليزية اختصارًا بـ BCIs، وتعني تطوير شريحة تزرع في الدماغ تسمح للإنسان بالتحكم في نشاط الدماغ وبعض الأجهزة الإلكترونية دون لمسها، فقط بالتفكير.

منذ تأسيسها، كانت لدى شركة “نيورالينك” الناشئة في مجال التكنولوجيا العصبية، مهمة طموح تتمثل في بناء زرعة دماغية مدمجة في جمجمة الإنسان، تحتوي على وصلات دماغية أكبر بـ 100 مرة على الأقل من الأجهزة المعتمدة حاليًّا من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

منذ ذلك الوقت، قامت الشركة بزراعة واختبار تقنية الشرائح الذكية الجديدة على الحيوانات، وفي سبتمبر/ أيلول 2020 كشفت الشركة عن أول شريحة لا سلكية تُزرع في الدماغ، وقال إيلون ماسك في العرض التقديمي إن معدّل نجاح تجارب الشركة على الحيوانات بلغ 87%، رغم انتقادات المنظمات المدافعة عن حقوق الحيوانات.

وفي العام نفسه، قدمت الشركة عرضًا تجريبيًّا للابتكار الجديد، حيث نقلت الشريحة الموجات الدماغية من حاسة الشمّ لدى أنثى الخنزير “جيرترود” إلى جهاز الكمبيوتر الذي كان يحلّلها ويسجّلها مباشرة، وأظهر وجود نشاط عصبي في أنفها عند بحثها عن الطعام.

وبعد سنوات من الاختبارات على الحيوانات، أعلن ماسك في ديسمبر/ كانون الأول 2022 أن الشركة تخطط لبدء تجارب بشرية في غضون 6 أشهر، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يقول فيها إن هذه التجارب تلوح في الأفق.

وفي مايو/ أيار الماضي، وصلت شركة ماسك الناشئة إلى مرحلة مهمة، بعد حصولها على موافقة من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لإطلاق أول تجربة سريرية على الإنسان لعلاج بعض الحالات الطبية كالشلل والعمى، عن طريق زراعة شريحة إلكترونية في دماغ المريض.

لم يأتِ حصول “نيورالينك” على الضوء الأخضر لإجراء تجاربها البشرية من الوهلة الأولى، فمنذ عام 2019 يحاول ماسك الحصول على هذه الموافقة، لكن الهيئة رفضت على الأقل 4 مرات، وأرجعت رفضها لأسباب عديدة بينها وجود مخاوف تتعلق بالأمان الطبي، ومخاطر وجود بطارية الليثيوم المدمجة في هذه الشريحة، وأعربت عن رغبتها في أن تجري “نيورالينك” مزيدًا من التجارب لإثبات أن البطارية لا يمكن أن تلحق ضررًا بأنسجة الدماغ البشري.

عند حصولها على الترخيص لإجراء التجارب الإكلينيكية، بدأت “نيورالينك” في سبتمبر/ أيلول 2023 باستقطاب المشاركين لإجراء التجارب على البشر، شرط أن يكون الشخص المتطوع فاقدًا لأحد أطرافه إمّا بسبب إصابته بالشلل وإمّا لأن أحد أطرافه بُترت، وكذلك الأشخاص البالغون الذين فقدوا القدرة على الكلام أو السمع أو البصر، لأن الهدف الأول لشريحة ماسك هو مساعدة أو دعم النشاط العصبي للمصابين بالشلل أو من بُترت أطرافهم مثلًا.

لكن هناك هدفًا ثانيًا وهو ليس فقط الاكتفاء بإعادة تأهيل النشاط العصبي أو تأهيل الدماغ، بل أيضًا تعزيز قدرات الدماغ إلى درجة رفع وظائف الإنسان الفسيولوجية، مثل زيادة القدرة على وتيرة الكلام والمشي وقدرة التحمل، بل حتى إطالة عمر البشر من خلال القضاء على بعض الأمراض التي تمنع الأنسجة من التجدد، والقضاء على بعض الأمراض مثل الخرف والرعاش وألزهايمر وبركنسون.

وفقًا لتقرير وكالة “بلومبيرغ”، أعرب آلاف الأشخاص حينها عن رغبتهم في زراعة شريحة ماسك الدماغية، ومنذ أيام قليلة زفَّ ماسك خبر نجاح التجربة على البشر على منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، وكتب: “خضع أول إنسان لعملية زراعة شريحة دماغية من التي تنتجها شركة “نيورالينك”، وهو يتعافى بشكل جيد، وأظهرت النتائج الأولية رصد زيادة في الخلايا العصبية على نحو واعد لدى الشخص الذي أُجريت له الزراعة”.

من بين الأمثلة التي ذكرها ماسك في سلسلة من التغريدات، أنه يمكن بواسطة هذه الشريحة التي سيُطلق عليها اسم “التخاطر (Telepathy)”، التحكم بالهاتف والكمبيوتر أو أي جهاز تقريبًا بمجرد التفكير، أي أن الشخص قد لا يحتاج إلى أي جهد، فقط يفكر أنه يريد فعل ذلك، فيحدث دون أن يلمس شيئًا، مضيفًا أن أول من تستهدفهم شريحة التخاطر هم الأشخاص الذين فقدوا القدرة على استخدام أطرافهم لسبب ما.

كيف تعمل هذه التقنية؟

تستمر هذه الدراسة لمدة 6 سنوات منذ إعطاء الإذن للشركة لإجراء تجاربها البشرية، وينحصر المشروع برمّته -حتى الآن على الأقل- في المجال الطبي، ويهدف إلى علاج المصابين بالأمراض الدماغية مثل الشلل، والمساعدة في حل مشكلات السمع والبصر، لكن كيف تعمل هذه التقنية التي خضعت لمراحل عديدة من التجارب؟

من المعروف أن الجزء المسؤول عن التحكم بالحركة في جسم الإنسان هو الدماغ، وتصدر منه الإشارات الحركية للجسم، هذه الإشارات لا تُفسَّر لدى بعض المرضى كالمصابين بالشلل الرباعي، وعبر هذه التقنية تُزرع شريحة صغيرة، وبالتحديد في المنطقة المسؤولة عن التخطيط للحركة أو نية التحرك فقط.

وبحسب تقارير الخبراء في الشركة، فإن الشريحة مصمَّمة لتفسير الإشارات الصادرة في الدماغ التي يعجز المريض عن تفسيرها طبيعيًّا، وإيصالها إلى المنطقة المتضررة من جسمه.

هذه الشريحة تمكِّن المريض من نقل إشارة الدماغ بطريقة مباشرة إلى الجزء المصاب من الجسم عن طريق تقنية البلوتوث، ومن خلالها يمكن للمريض أن يعيد الحركة إلى ذراعه أو ساقه المتضررة أو العضو الذي لا يعمل بطريقة طبيعية.

تبدو هذه الشريحة معقّدة، لكنها تعمل ببطارية يمكن شحنها لا سلكيًّا، ويمكنها مراقبة 1000 خلية عصبية، ويجرى زرعها عبر تثبيتها في الدماغ واستبدال جزء صغير من الجمجمة في عملية تجميلية يقوم بها جرّاح آلي في غضون نصف ساعة، على جزء من الدماغ الذي يتحكم في نية الحركة.

وتتكون شريحة “التخاطر” الدماغية من مجسّ صغير يحتوي على أقطاب كهربائية دقيقة، وهي عبارة عن 64 خيطًا مرنًا أرقّ من شعرة الرأس بـ 20 مرة، هذه الخيوط تلتقط الإشارات الكهربائية من الدماغ، وتقوم “شريحة التخاطر” بترجمتها إلى أفعال.

تخزّن هذه الشريحة البيانات التي تنقلها هذه الوصلة في رقاقة معقدة، وتنقل إشارات الدماغ المخزّنة لا سلكيًّا إلى تطبيق على الهاتف أو الحاسوب يفكّك رموز الطريقة التي ينوي بها الشخص التحرك، أي أنه يمكن للمرضى استخدام عقولهم للتحكم بالأجهزة الإلكترونية بمجرد التفكير بالقيام بهذه الخطوة.

ما لم يقله إيلون ماسك

الهدف الرئيسي للشركة من هذه التقنية هو ربط العقول البشرية بأجهزة الكمبيوتر للمساعدة في معالجة الحالات العصبية المعقدة، ويدّعي ماسك أن الدمج بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي سيجعل الإنسان أقوى من الآلة في العصور المقبلة، لكن هل مثل هذه الأفكار ممكنة حقًّا؟ وما مدى نجاعة هذه الطريقة؟ وكم من الوقت ستستغرق لتصبح متّبعة؟ وهل لها آثار جانبية؟

في مقال افتتاحي لصحيفة “فاينانشال تايمز”، قالت عالمة النفس المعرفي والفيلسوفة سوزان شنايدر إن دمج العقول البشرية مع الذكاء الاصطناعي سيكون بمثابة “انتحار للعقل البشري”، مشيرة إلى أن “العقبات الفلسفية لا تقل إلحاحًا عن العوائق التكنولوجية”.

لتوضيح هذه النقطة، طرحت شنايدر سيناريو افتراضيًّا مستوحى من قصة لكاتب الخيال العلمي الأسترالي غريغ إيغان: تخيّل أنه تم إدخال جهاز ذكاء اصطناعي يسمى “الجوهرة” في دماغك بمجرد ولادتك، ويراقب نشاط دماغك باستمرار ليتعلم كيفية تقليد أفكارك وسلوكياتك.

وبحلول الوقت الذي تصبح فيه شخصًا بالغًا، فإن الجهاز يحاكي دماغك بشكل مثالي، ويمكنه التفكير والتصرف مثلك تمامًا، في مرحلة ما، مثل أفراد المجتمع الآخرين، تصبح واثقًا من أن عقلك مجرد قطعة لحم زائدة عن الحاجة.

بعد ذلك، تتم إزالة دماغك الأصلي جراحيًّا، وتصبح “الجوهرة” هي “دماغك الجديد”، عند تلك النقطة، أيهما تكون أنت: دماغك أم جوهرة؟ تقول شنايدر إنه من المرجح أنك في اللحظة التي اخترت فيها إزالة دماغك، قتلت نفسك عن غير قصد.

يشير هذا إلى أن اندماج الإنسان مع الذكاء الاصطناعي أمر غير مدروس، على الأقل إذا كان المقصود بذلك هو الاستبدال الكامل للدماغ في نهاية المطاف بمكونات الذكاء الاصطناعي، حتى استبدال الأنسجة العصبية التي تعمل بشكل طبيعي، فإنها في مرحلة ما قد تنهي حياة الشخص كما تتوقع شنايدر.

في الوقت نفسه، عانت شركة “نيورالينك” من تاريخ من الوعود المبالغ فيها، على سبيل المثال الفشل في الوفاء بالجداول الزمنية، ويقال إنها أدَّت إلى إجراء تحقيق فيدرالي في مزاعم انتهاكات حقوق الحيوان، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي طلب 4 مشرّعين أمريكيين التحقيق فيما إذا كان ماسك ضلّل المستثمرين، بعد أن أظهرت السجلّات البيطرية تعرض بعض القرود التي زُرعت الشريحة في أدمغتهم للشلل والورم الدماغي.

ورغم الاتهامات بانتهاك حقوق الحيوانات من موظفين داخل شركة “نيورالينك” نفسها، التي أبقت التكنولوجيا في مرحلة التجارب ما قبل السريرية طوال هذه الفترة، وصلت هذه الشريحة فعليًّا إلى أدمغة البشر، لكن عملية تحويل المعلومات إلى أوامر حركية ليست بهذه السهولة، فهي تحتاج إلى تدريب طويل الأمد بين المريض والشريحة الدماغية المزروعة في رأسه.

رغم أنه لا يزال من الممكن استخدام التحسينات القائمة على الذكاء الاصطناعي لتكملة النشاط العصبي، يشكّك البعض في أي اقتراح بأن البشر يمكن أن يندمجوا مع الذكاء الاصطناعي، ويخشون من وقوع أخطاء أثناء التجارب على البشر، ويطالبون بمزيد من الدراسات.

يقول استشاري الدماغ وأمراض الأعصاب جمال خالد الأخرس، إن هذه الشريحة قد تؤدي إلى تأثير سلبي على الإنسان، لأن زراعة شيء غريب في جسم الإنسان قد يؤدي إلى خلل في الجهاز العصبي، لذلك للتأكُّد من أن هذه التجربة لها نتائج جيدة في المستقبل، لا بدَّ من متابعة أكثر من مريض.

ويحذّر بعض أعضاء المجتمع العلمي من أن مثل هذه الشريحة يمكن أن تؤدي في الواقع إلى التدمير الذاتي للبشر قبل أن تأتي هرمجدون (حرب نهاية العالم)، والاعتقاد هو أنها قد تسيطر على عقول البشر وتطوِّعهم لمن يتحكم في الشريحة.

ويتحدث خبراء عن تأثير التكنولوجيا العصبية على تطبيقات الأمن القومي، لا سيما الأمن السيبراني وأسراب المسيَّرات وغيرها، وما يعزز تلك المخاوف -ومن بينها ما هو عسكري وأمني واستخباراتي- أن هناك شركات خاصة وجيوشًا ومنظمات موّلت أبحاث التكنولوجيا العصبية لاستخدامها في التطبيقات العسكرية.

ومن المنطقي أن يكون للعلاج تأثير نفسي إيجابي، لكن عندما يتعلق الأمر بالتفكير في استخدام شرائح الدماغ على نطاق واسع، هناك قلق أكبر بشأن الجوانب السلبية، والمقلق أيضًا وفق خبراء هو إمكانية اختراق تلك الذاكرة، وزرع ذكريات جديدة أو إخفاء ذكريات موجودة والتلاعب فيها.

هناك أيضًا مخاوف تتعلق بالخصوصية تأتي مع وصول الكمبيوتر إلى موجات الدماغ، على سبيل المثال يمكن لأي شخص أن يتعلم الكثير من خلال دراسة موجات دماغك، ومن ثم اختراقها سيبرانيًّا، وإذا تمكن أحد المتسللين من الوصول إلى بياناتك، فيمكنه قراءة عقلك، إلى حدٍّ ما، من خلال البحث عن تعبيرات محددة لنشاط إشارات الدماغ.

اصطناع للإنسان أم أنسنة للآلة؟

للوهلة الأولى، لا يبدو أن الأهداف التي تتحدث عنها “نيورالينك” تواجه أي صعوبات أخلاقية معيّنة، فمساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة تحترم مبدأ الإحسان، لكن خلال حضوره القمة العالمية للحكومات في دبي في فبراير/ شباط الماضي، أوضح ماسك هدفه: “أعتقد أننا سنشهد على الأرجح، بمرور الوقت، اندماجًا أوثق يساعد على تحقيق التعايش بين الذكاء البيولوجي والذكاء الآلي”، وقبل ذلك أشار إلى أنه “يمكنك بشكل أساسي تخزين ذكرياتك كنسخة احتياطية واستعادتها، وتنزيلها في جسم جديد أو روبوت”.

ارتفاع تكلفة هذه التقنيات العصبية يثير المخاوف بشأن خلق تفاوت مادي واجتماعي أكبر من ذلك الذي نعرفه حاليًّا

لفترة طويلة، كان ماسك خائفًا من احتمال التعلّم العميق، الذي يسمّى أيضًا “التفرد التقني”، أي إنشاء آلة ذكية تتعلم بنفسها وتتمتع بشكل من أشكال الاستقلالية وإمكانات تنظيمية أفضل من القدرات البشرية، لهذا السبب يدعم الأبحاث لدمج الذكاء البشري والاصطناعي لتجنُّب فقدان السيطرة على الآلات فائقة الذكاء، لكن يمكننا ملاحظة تناقض في منطق ماسك: تطوير الذكاء الاصطناعي للحدّ من تقدمه، كيف ذلك؟

من ناحية أخرى، يمكن لتقدم الذكاء الاصطناعي أن يصبح في نهاية المطاف مصدرًا جديدًا لنقاط الضعف التي تسبِّب المعاناة والكوارث، على سبيل المثال مثَّلت السيارات والطائرات تقدمًا كبيرًا قبل أن تصبح مشكلة خطيرة للكائنات الحية، وهي اليوم تلوث الكوكب وتشكّل تهديدًا كبيرًا للتنوع البيولوجي، لهذا السبب إن فكرة رؤية ماسك للكمال البشري يمكن أن تكون مصدرًا للقلق، عندما يتم استخدامها لتبرير تحقيق أي شيء ممكن من الناحية التكنولوجية.

وفي هذا السياق، يرى بعض علماء ما بعد الإنسانية الداعمين لتطوير وإتاحة التكنولوجيا التي تساعد في إطالة الحياة والخلود البشري، أن غرسات الدماغ جزء من الخطوة التالية للبشر في طريق التقدم والتطور، في حين يدين التيار المحافظ الأحيائي مشروع “نيورالينك” باعتباره تجاوزًا أخلاقيًّا، لأنه سيُفقد الجنس البشري الصفات الإنسانية الأساسية، وهي الحدود التي تشكّل ما يعنيه أن تكون إنسانًا.

وفقًا للمحافظين الحيويين المشكّكين في كل ما يتعلق بالتقدم التكنولوجي الجذري، بالأخص التقدم الذي يسعى إلى تعديل حالة البشر أو تعزيزها، فإن غرسة الدماغ “نيورالينك” تغير الأشخاص كليًّا إلى كائنات إلكترونية، وتزيل الحدود بين الطبيعي والاصطناعي، والإنسان والآلة، والحياة واللاحياة، وبالتالي إن دمج الذكاء البشري والاصطناعي الذي يسعى إليه ماسك سيكون بمثابة رقمنة للإنسان بقدر ما هو أنسنة للآلة.

في هذه الحالة، كيف يمكن تجنُّب التنافس على المزيد من تعزيز حالة البشر؟ وفقًا للأستاذ المساعد في الفلسفة في جامعة ليل بفرنسا إيريك فورنيريت، فإن ارتفاع تكلفة هذه التقنيات العصبية تثير المخاوف من تمكُّن جزء صغير فقط من الأثرياء من الوصول إليها، وسوف يكون هناك تفاوت مادي واجتماعي أكبر من ذلك الذي نعرفه حاليًّا، ويرى فورنيريت أن قدرة قلة مختارة على تعزيز أنفسهم وليس الآخرين، يمكن أن تشكّل تهديدًا وجوديًّا لمجتمعاتنا.

ممّا يزيد هذا النوع من التكنولوجيا تعقيدًا أنه من الصعب دعمها ماليًّا وصيانتها، وغالبًا ما تتطلب جراحة دماغية لإزالتها وإعادة زرعها، وقد تلحق ضررًا بأنسجة الدماغ الدقيقة، ونظرًا إلى أن هذه الشرائح لا تزال إلى حدّ كبير في المرحلة التجريبية، فهناك نقص في المعايير الأخلاقية العالمية أو الدعم المالي المستقر، والعديد من الأجهزة معرّضة لخطر فقدان التمويل بشكل مفاجئ بسبب مشكلات سلسلة التوريد أو تحديثات الأجهزة أو إفلاس الشركة.

في حين أن هذه التقنيات ما تزال في مهدها، فقد كانت موجودة لفترة كافية للباحثين للتعرُّف بشكل متزايد إلى كيفية تفاعل الغرسات العصبية مع عقولنا، وكما قالت أستاذة الفلسفة في قسم أخلاقيات الطب والسياسة الصحية في جامعة بنسلفانيا آنا ويكسلر: “بالطبع تسبّب تغييرات”، والسؤال هو ما أنواع التغييرات التي تسبّبها؟ وإلى أي مدى تؤثر هذه التغييرات؟

تهدف واجهات الدماغ والحاسوب إلى تغيير أشياء معيّنة بشأن مستخدميها، ويمكن للأشخاص الذين يستخدمونها أن يشعروا بإحساس عميق بالاعتماد على الأجهزة، أو كما لو أن إحساسهم بالذات قد تغيّر، وتشير الأدلة المقنعة إلى أن الأجهزة يمكن أن تسبّب تغييرات معرفية خارج نطاق التطبيقات المستهدفة.

أجرت ويكسلر مقابلات مع أشخاص مصابين بمرض باركنسون كانوا يخضعون لتحفيز عميق للدماغ، وهو علاج جراحي يتضمن زرع أسلاك معدنية رفيعة ترسل نبضات كهربائية إلى الدماغ للمساعدة في تخفيف الأعراض الحركية، ووجدت أن الكثيرين فقدوا الإحساس بالذات، وسلبهم المرض هويتهم قبل الخضوع للعلاج.

وبالمثل، لاحظ الباحثان في جامعة واشنطن، سارة غورينغ وإيران كلاين، تغيرات إيجابية في الشخصية، وفي حديث لها عن بحث مماثل، وصفت عالمة النفس العصبي سينثيا كوبو شعورًا متزايدًا بالسيطرة والاستقلالية بين المرضى الذين قابلتهم.

وفي ورقة بحثية صدرت عام 2016، ذكر الباحثون أن المشاركين الذين خضعوا للتحفيز العميق للدماغ، شعروا غالبًا بأن العلاج ساعدهم على استعادة ذواتهم الحقيقة التي تآكلت بسبب الاكتئاب أو اضطراب الوسواس القهري.

لكن ليست كل التغييرات التي وجدها الباحثون إيجابية، ففي مقابلات مع أشخاص يستخدمون واجهات الدماغ والكمبيوتر، لاحظ أستاذ الفلسفة في جامعة تسمانيا والمتخصص في الأخلاق العصبية التطبيقية فريدريك جيلبرت، بعض التأثيرات الغريبة في الشخصية أو التعبير عن النشاط الجنسي.

وفي بعض الأحيان يمكن للمريض أن يعتمد كثيرًا على أجهزته، لدرجة أنه يشعر بأنه لا يستطيع العمل دونها، وواجه جيلبرت بالفعل العديد من المشاركين في الدراسة الذين وقعوا في حالة من الاكتئاب بعد فقدان دعم أجهزتهم وإزالتها، وذلك غالبًا بسبب انتهاء تجربة معيّنة أو نفاد التمويل.

ومن خلال العديد من الدراسات التي أُجريت عبر المقابلات، لاحظ جيلبرت أن المرضى يبلغون عن مشاعر عدم تعرُّف أنفسهم، أو ما يشار إليه عادة في البحث باسم “الاغتراب”، وأعرب البعض عن شعورهم بامتلاك قدرات جديدة لا علاقة لها بالغرسات التي خضعوا لها، وأدّى ذلك إلى حالات متطرفة وصلت إلى محاولة الانتحار.

في هذه الحالة، ليس من الواضح أن الكثيرين في الأوساط العلمية ينظرون بشكل إيجابي إلى مشروع “نيورالينك”، والأمر لا يتعلق فقط بالغرض منه لأنه ربما لن يؤدي إلى تطور مشترك بين البيولوجيا البشرية والتكنولوجيا لكن إلى هيمنة الأخيرة على الأولى، ويبقى السؤال: ماذا لو توسّع استخدام هذه الشرائح في المستقبل لدواعٍ أخرى قد تتجاوز حدود الأمراض والإصابات المعروفة؟

اترك تعليقا